ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

بنية الاستغلال في سوريا بين الأمس واليوم

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
ورد كاسوحة
ورد كاسوحة
الجمعة 30 كانون الثاني 2026
الخط

في «الثقافة الشعبية» التي سادَت في سوريا، طوال فترة الحكم الاشتراكي، كان ثمّة مقولة تختزِل العلاقة بين الوجهة الاقتصادية للبلد ونمط الحياة القائم لدى مختلف الشرائح الاجتماعية السورية: «سوريا أمّ الفقير». الأمر يتجاوز في مدلولاته المؤشّرات الاقتصادية والاجتماعية المباشرة إلى نسَق رمزي، أصبح بمثابة رابط عضوي بين النمط الاقتصادي الاجتماعي وشكل الوجود المادّي للناس في تمظهراته المختلفة، من العائلة والحيّ والمدينة والريف إلى التمثيل ضمن المؤسّسات، ضمن الأطر الحداثية التي كانت قائمة.

قبل عامي 1958 و1963، لم تكن هذه الاستعارة من الثقافة الشعبية واردة، لأنّ الاقتصاد كان رأسمالياً إلى حدٍّ كبير، مع عدم وجود بنية فعلية للترسمُل، كون البورجوازية التي كانت تقود البلاد في مرحلة الحكم التمثيلي، لم يكن يربطها بالاقتصاد الرأسمالي صلات وثيقة أو عضوية. هذا جَعَلَ اقتصاد البلاد يراوح عند العتبة التي يمكن تسميتها مجازاً: «رأسمالية من دون رأسماليين».

سياق تبلور المنحى الاجتماعي لدى حكومات العظم

كانت سوريا قبل إبرام الوحدة مع مصر، تُحكَم بمزيجٍ من الحكم التمثيلي البرلماني والامتيازات السياسية والاقتصادية المُتاحة للنخبة الضيّقة المتحدِّرة من الإقطاع السياسي والوجاهات والأعيان، بما يجعل هامش التمثيل، ومعه إمكانية إيصال أصوات الأكثرية المنتِجة في الأرياف وضواحي المدن، في حدودهما الدنيا. تأويل معنى الأكثرية هنا كان مفارقاً لمدلولاته اللاحقة، المرتبطة بالتوزّع الطائفي أو الإثني، حيث بدا الأمر على الدوام في تلك المرحلة ملازماً لنمط الإنتاج، وما إذا كان التمثيل السياسي المحدود القائم يسمح بالتعبير عن هذه الهوامش الكُبرى للمجمتعات المحرومة والمُقصاة من المشهد السياسي بالكامل.

الاستثناء الذي مثّلته حكومات خالد العظم التي أبدت حساسية واضحة تجاه المسائل الطبقية، كان بمثابة تأكيد للقاعدة التي حكمت سياسات الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال. الرجل الذي كُنّي بالمليونير الأحمر، بسبب علاقاته الوثيقة مع الاتحاد السوفياتي والكتلة الشرقية، كان يملك تصوُّراً مختلفاً عن الدورين الجيوسياسي والاقتصادي لسوريا في مرحلة ما قبل الحكم الاشتراكي. تحدُّره من أسرة إقطاعية عريقة معروفة بامتيازاتها منذ الحقبة العثمانية، لم يمنعه من اتخاذ وجهة في الحكم تتعارَض مع المزاج الذي كان سائداً حينها، لناحية العداء المُعلَن لسياسات الكتلة الاشتراكية.

ثمّة تقاطعٌ واضح بين شروط العمل المجحِفة حينها والوضع الراهن بعد رفع الدعم عن الكهرباء وبقية الخدمات والسلع الأساسية

ثمّة وجاهة بهذا المعنى لمقاربته المبكرة، التي كانت ترى أنّ الخيار الأمثَل لسوريا، في الاقتصاد والسياسة والجيوستراتيجيا، ليس بالضرورة أن يكون رأسمالياً وضمن نطاق جيوسياسي غربي حصراً، لا سيما في إقليمٍ تتراكم فيه المظالم الطبقية وتنحاز كتله الشعبية أكثَرَ فأكثَر للسياسات غير الرأسمالية. هذا جعلَه يسارِع إلى تطبيق سياسات اجتماعية تخفّف من وطأة الانحيازات الضريبية الجائرة بحقّ الفلاحين والعمّال وباقي الكتل الشعبية التي كانت ترزح تحت أعباء لا يمكن لاقتصاد زراعي ناشئ تحمُّلها.

على أنّ الرجل، ومع كلّ التسهيلات الجزئية التي قدّمتها حكوماته المتعاقبة للفلّاحين والعمّال وباقي الفئات الشعبية، بدا عاجزاً عن التعامل كما يجب مع المسألة الأكثر تعقيداً في علاقة هذه الفئات الاجتماعية العريضة مع الحكم الرأسمالي المحدود الذي كان قائماً. هكذا كان في إمكان حكوماته، وعلى ضوء هذا الشكل غير البنيوي من الإصلاح الاقتصادي، التخفيف من الضرائب على الدخل والاستهلاك، وحتى كبح سياسات التحرير التجاري للسلع والخدمات، حتى لا يستهلِك العاملون بأجر في الأراضي والمصانع والورش الصغيرة، دخلهم البخس والمتواضع، على الكلف الأساسية للإنتاج والحياة عموماً.

صعوبة التعامل مع مسألة المُلكيّة

غير أنّ الأمر الذي لم يكن يستطيع التعامل معه، حتى لو تسبَّبَ تجاوزُهُ بانهيار حكوماته أو تحالفاته السياسية مع الإقطاع والبورجوازية، هو مسألة المُلكية، كونها بخلاف القضايا الأخرى التي تنطوي عليها «المعالجات الاشتراكية» المحدودة آنذاك، مثل إرساء الدعم وتخفيف الضرائب على الفقراء، تتطلّب مواجهة جذرية مع طبيعة الحكم القائم، لجهة كونه لا يستقيم من دون الحفاظ على المُلكيات الكبرى وتَجنُّب المساس بالأصول العقارية والصناعية والتجارية لكبار المُلّاك والإقطاعيين والأعيان.

مُعضلة المُلكية التي لم تستطع حكومات العظم، الأكثر حساسيةً من بين عهود الحكم التمثيلي للمسألة الطبقية، إيجادَ حلٍّ لها، كانت تتجاوز مشكلة امتلاك أقلّية سياسية لأكثرية الأراضي والعقارات والمصانع، التي يعمل بها الفلّاحون والعُمّال وباقي العاملين بأجر. بمعنى أنها لم تكن مجرّد تعبير عن نزاعٍ على ملكية الأصول الزراعية والصناعية والتجارية بين طبقات متصارعة.

ثمّة، بالإضافة إلى ذلك، نمطُ حياةٍ كامل كانت المُلكيات الكبرى تصادِره، عبر منع المنتجين الفعليين للثروة، من امتلاك شبر واحد من الأراضي التي يعملون بها، ما يجعل حياتهم بأكملها، وليس عَمَلهم فحسب، خاضعةً لمنطق السوق لقاء مُخرَجات أجر صفريّة . فما يُعطى بيد لقاءَ العمل الجائر الذي يقوم على فائض القيمة، يؤخَذ باليد الأخرى، لدى دفع الإيجار، عن قطعة الأرض أو المنزل. وهذه أساساً، هي علّة حرمان هؤلاء من المُلكية، كون التملُّك، ولو بحدودِه الدنيا، لأرضٍ أو منزل، يحرِم الإقطاعي أو الرأسمالي من البنية الأساسية للاستغلال، والتي تقوم على استهلاك العامل أو المزارع لحياته ووقته الزائد في تحصيل القوت.

خاتمة

ثمّة تقاطعٌ واضح بين شروط العمل المجحِفة حينها والوضع الراهن بعد رفع الدعم عن الكهرباء وبقية الخدمات والسلع الأساسية. اختلاف السياق لا ينفي الوضعية المتشابِهة التي يجد الناس أنفسهم فيها، تجاه إمّا أرباب العمل أو مزوّدي الخدمات من القطاعين الخاصّ والعامّ. تحويل الخدمة العامّة حالياً، مع تطبيق شروط البنك الدولي برفع الدعم بمعدّل قياسي، إلى رفاهية لا يقدر عليها حتى أصحاب الدخل المتوسّط، تشبه تماماً، في سياق ما كان قائماً قبل حكمي الوحدة والبعث، ظروف العمل لدى الفلّاحين وصغار المنتجين، في وضعية الحرمان من المُلكية.

التناظُر بين الوضعيتين التاريخيتين، لا يقتصِر على بنية الاستغلال العامّة، بل يتعدّاها إلى تفاصيل استنزاف الدخل البخس للقوى العاملة في الحالتين، حيث إجبار الناس في حالة انعدام المُلكية على العمل لساعات طويلة لتأمين القدرة على دفع الإيجار، يتقاطع مع عدم كفاية متوسّط الدخل حالياً، حتى لدفع فاتورة الكهرباء بعد رفعِها. وفي الحالتين أيضاً، ثمّة وضعية تكون فيها الفئات الشعبية محرومة من المُلكية، إذ يصبح الإنفاق على السلع الأساسية متعذّراً، نتيجة استهلاك الدخل على دفع بدلات الإيجار، إمّا للإقطاعي والمالك الكبير في الحالة التاريخية السابقة، أو لصاحب الشقّة السكنية في الوضع الراهن، الذي تفتقر فيه أكثرية سورية واضحة إلى عامل المُلكية، نتيجة الدمار الواسع الذي لَحَق بالمساكن أثناء الحرب.

* كاتب سوري

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك